تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

حرائق إيران الدامية

يناير 19, 2026 | 0 تعليقات

كتب ملهم الملائكة:

ما برح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبث في نفوس ثوار إيران أملاً زائفا، كما بث الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش الأب في نفوس ثوار انتفاضة عام 1991 في العراق املاً عبثيا كاذباً أظلّهم ثم أسلمهم لمخالب سلطات صدام الدموية. ثم صار ترامب في منتصف شهر كانون الثاني/ يناير 2026 يميل إلى عدم توجيه ضربة لإيران (حسب إعلانات المحيطين به وتلميحاته الغامضة) ردا على “القمع العنيف للمتظاهرين”، لكن مع نقص المعدات العسكرية في المنطقة، والتحذيرات من حلفاء، وقلق كبار مساعديه بشأن تداعيات وفعالية خيارات الضربة، والمحادثات السرية غير الرسمية مع الإيرانيين، اختار عدم اتخاذ القرار. كل هذا جاء في تقرير “أكسيوس” عن عملية صنع القرار لدى ترامب (خلال الأيام العشرة الوسطى من يناير )2026، إلى مقابلات مع 4 مسؤولين أميركيين، ومسؤولين إسرائيليين، ومصدرين آخرين مطلعين على المناقشات التي دارت خلف الكواليس.

ولنعد برفق إلى مصدر القلق والالم الذي يربك الشرق الأوسط، لنعد إلى إيران. حين قامت الجمهورية الإسلامية في إيران بنيت عميقاً على إلغاء الدولة القومية، اضعاف الطبقة الوسطى وخلق طبقة بديلة عنها، تقسيم المجتمع إلى رجال سادة، إزاء نساء مستعبدات بالحجاب والتشريعات الجائرة، وكانت أولى خطوات خميني بهذا الصدد فرض الحجاب بالقوة على الإيرانيات وهو الذي أرسى باقي التغيرات التي فصلّتها أعلاه، لكن وبمرور السنوات، وتعاقب الحروب، وهجرة الطبقة الوسطى، وتنامي الوعي الطبقي  برزت في تاريخ إيران المعاصر 3 نساء يحركن الشارع الايراني، وهنّ حسب حضورهن الجماهيري، الكردية القتيلة مهسا أميني، والناشطة الحقوقية السجينة المؤثرة نرگس محمدى، والثورية اليسارية الأقل حضوراً مريم رجوى التي قضت أكثر من أربعين عاما من عمرها منفية في أروقة المعارضة.

وبات السؤال الخفي الذي لا يشير إليه المحللون العرب الذين يجهلون كل شيء عن أرض فارس وشعوبها وتاريخها: هل تقود النساء التغيير في إيران، وهل تكون نرگس محمدى القائدة الثورية التي تحسم اسقاط نظام الملالي؟

هذا ممكن اليوم لأنّ النساء أصبحن محرّك التغيير الأهم في إيران لكنهن لا يقدن الثورة بالشكل الكلاسيكي، بل يقدنها ثقافياً وأخلاقياً ورمزياً، ورب قارئ سيسأل: كيف ولماذا النساء بالتحديد؟

والجواب ببساطة لأنّ النظام الديني قام على أيديولوجيًا قهر النساء والسيطرة على جسدهن، جاعلاً الحجاب، الأسرة والطاعة، أدوات حكم، وحين تمرّدت النساء، اهتزّ أساس سردية الشرعية الدينية (الولي الفقيه) لهذا كان شعار (المرأة، الحياة، الحرية) وأصله الفارسي (زن، زندگی، آزادی) المأخوذ عن الشعار الكردي الذي ولد بشكل عفوي بعد مصرع ايقونة الثورة مهسا أميني عام 2022 (ژن، ژیان، ئازادی) أخطر على النظام من أي برنامج سياسي مضاد.

والحق يقال، فإنّ مهسا أميني كانت الشرارة، ومن الصعب أن نسميها القائدة، فهي مجرد طالبة جامعية بسيطة قادمة من قرى إيران، قتلتها هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنها لم تكن ترتدي الحجاب! ولم تكن ناشطة حقوقية أو ثائرة سياسية، ولم تُخطّط كما لم تختر الدور لكن مقتلها المروع حوّل القمع اليومي إلى قضية وجودية كسرت حاجز الخوف الجماعي فأصبحت مهسا رمزًا جامعًا للنساء والرجال بلا أيديولوجيا، هي لم تكن مشروع قيادة، بل لحظة تاريخية ومثل تلكم اللحظات لا تتكرر بسهولة، لكنها تبقى لحظات خالدات.

أما نرگس محمدي التي قضت 9 سنوات من عمرها في الزنازين، وتعيش اليوم معتقلة مبعدة عن أسرتها وبنيها رغم حصولها على جائزة نوبل للسلام عام 2023، فهي الضمير الحي للنظام المضاد لأنها تمتلك صدقية أخلاقية عالية، وتاريخًا حقوقيًا نظيفًا وشجاعة شخصية نادرة واستقلالًا عن تأثيرات الخارج، علاوة على لغة يفهمها الإيراني العادي لا النخب فحسب، لكن هل هي “قائدة ثورية” بالمعنى الحاسم؟

أنها للأسف ليست كذلك، على الأقل حتى هذه اللحظة، فهي قائدة على الأقل ليس بالطريقة التي تسقط نظامًا وحدها، لأنها ناشطة حقوقية وليست ثورية منظمة، كما أنها لا تمتلك جهازًا سياسياً ولا تنظيماً شعبياً ولا قدرة على إدارة صراع بمستوى تداول السلطة ولا خطاباً تعبوياً ثورياً.

ويشبهها بعض قادة الحراك الإيراني بنيلسون مانديلا قبل خروجه من السجن، لا بعده. أنها رمز، لا قائدة معركة حسم. وقد تصبح إذا استمر الحراك جزءاً من ضمير المرحلة الانتقالية أو مرجعية أخلاقية أو وجهًا يوحد صفوف نساء الطبقة الوسطى خاصة، ولكنّ ذلك قد يجري في مرحلة ما بعد سقوط نظام الملالي. وهكذا فهي ليست القائدة التي تُسقط النظام الديني بمفردها.

إزاء هذين الرمزين تقف مريم رجوي ذات التاريخ النضالي الأعرق، والتي بدأت نشاطها ضد الشاه في سبعينات القرن العشرين، وساهمت في اسقاط نظامه لكنها وزوجها مسعود تحالفا مع نظام صدام حسين وقاتلا معه ضد نظام الملالي ما افقدهما قاعدتهما الجماهيرية في داخل إيران، ويمكن وصفها بأنها باتت “مشروع قيادة بلا شارع ولا قاعدة جماهيرية”.

فهي تمتلك تنظيمًا وخطابًا وتتلقى دعمًا خارجيًا لكنها تفتقد القبول الشعبي الداخلي، الثقة التاريخية، الارتباط العاطفي بالجيل الجديد. وفي الثورات، لا يمكن غالباً استيراد الشرعية، بل لابد من انتاجها من الداخل. وهذا ما تفتقده مريم رجوي في الوعي الجماهيري الإيراني. وهكذا يمكن إيجاز الفروق بين الايقونات الثلاث بالتالي:

مهسا أميني: رمز بريء فجّر مقتلها المروع الوعي الجماهيري بشكل غير مسبوق في هذا البلد.

نرگس محمدي: ضمير حيّ مقاتل يتعذب داخل السجن لكنه لا يفقد ملامحه.

مريم رجوي: مشروع سياسي يساري مخلص ولكنه مهاجر ومثير للانقسام

بعد كل هذا، نصل إلى سؤال مفصلي: هل تقود نساء إيران مسيرة التغيير؟ ممكن، ولكن ليس وفق معادلة (امرأة واحدة تقود ثورة ينتج عنها سقوط نظام مسلح بالعقيدة والسلاح عمره يقترب من نصف قرن)، بل وفق معادلة جماهير النسوة المقهورات بالحجاب الخميني، يكسرن طوق العزلة والحجب والصمت والتهميش، ويحطمن النمط الثقافي الذي فرضه الملالي، ما يسقط شرعية نظامهم، ويخلق تصدعاً اجتماعياً داخلياً يقود إلى التغيير.

ويصح القول هنا إنّ النساء لا يقدن الدبابات ولا يطلقن الرصاص، لكنهن اليوم يلغين بتحديهن السافر لمخالب النظام وزنزانته سجن “الطاعة والرضوخ”، ولن يملك النظام الديني حينها أن يصمد بلا طاعة اجتماعية. وإذا تذكرنا في هذه اللحظة الحقيقة المؤلمة أن نظام الملالي قائم على تغليب سكان الأرياف على سكان المدن (كما غلّب نظام صدام سكان البادية على سكان المدن ملغياً الطبقة الوسطى التي قد تهدده)، فإن نظام الملالي لن تسقطه امرأة واحدة، ولا رجل واحد، ولا حركة واحدة، بل سيكون السيناريو الأقرب للواقع:

  1. 1. نساء يكسرن أعمدة القهر والخوف
  2. 2. جيل من الشباب يسقط شرعية النظام
  3. 3. أزمة اقتصادية خانقة تتفاقم بسبب الحصار الاقتصادي
  4. طبول الحرب التي تقرعها الولايات المتحدة وإسرائيل
  5. 5. انقسام داخل السلطة خصوصاً بشأن شعارها “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”
  6. 5. ليصل الوضع بعدها إلى لحظة انفجار لا مركزية

وفي تلك اللحظة قد تظهر قيادات بعد السقوط أو أثناء الانهيار لا قبله وأهم حقيقة هنا هي أنّ الثورة الإيرانية القادمة، إن نجحت، ستكون بلا زعيم واحد، ومجردة من أي أيديولوجيا، وبلا حزب واحد. وهذا ما يجعلها مخيفة، وما يجعلها ممكنة.

 

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

ساعة هارون الرشيد وأسئلة حول الزمن

ساعة هارون الرشيد وأسئلة حول الزمن

بقلم محمد حسين صبيح كبة ذات زمن أرسل هارون الرشيد لملك فرنسا الذي يقال أن إسمه كان شارلمان هدية على شكل ساعة دقاقة تعمل بالماء. عجب الناس من الهدية وبالذات بطارقته ورهبانه وهو شخصيا. بل وأكثر ارتعب الناس منها وبالذات عدد من الرهبان والبطارقة. بعدها كان قيام الرهبان...

قراءة المزيد
إيران – الشعب يدفع ثمن التغيير المستحيل!

إيران – الشعب يدفع ثمن التغيير المستحيل!

كتب ملهم الملائكة: ينظر الإيرانيون بمرارة إلى ما جرى في بلدهم، فالرئيس الأمريكي ما برح يعدهم بدعم انتفاضتهم، لكن وبعد كل الدماء التي سالت، وكل المصالح الحكومية والشخصية والاقتصادية التي دُمرت، وكل الأموال التي تبددت، يخشى الإيرانيون أنّ القادم أسوأ. مع توافد قطع بحرية...

قراءة المزيد
عن رواية البؤساء والجريمة

عن رواية البؤساء والجريمة

بقلم محمد حسين صبيح كبة  واضح من رواية البؤساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو أن المحقق يعتقد أنه لا وجود لمجرم يتوب. فما بالك اعتقاده الجازم أنه وحده ربما الصالح في هذه الأرض بينما كل الباقين مشبوهين. ورغم أن هذا الاعتقاد في بعض الأحيان له ما يبرره من مثل رسول ونبي مرسل...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *