كتب ملهم الملائكة:
بدءاً أود تحديد المصطلح بوضوح، فهي المكوّنات الصغرى وليست الأقليات. الأقليات وصف مهين يقصد به تهميش المكوّن ووصمه بالضعف والهوان والإساءة إلى أصالته، وكلمة أقليات مقرونة في العالم العربي بأوصاف مغرضة من قبيل: “أخوتنا المسيحيون” أو ” الأخوة أبناء الطائفة الأيزيدية” أو “برادران موسوي” كما تصف سلطات إيران اليهود في إيران.
وفي تركيا يتداول مجتمع السلطة أوصاف من قبيل Hristiyan Kardeşlerimiz “إخوتنا المسيحيون” المستخدم رسمياً في خطابات الساسة والمسؤولين الأتراك (مثل رسائل التهنئة بأعياد الميلاد) كما يوصفون ب “الجماعة المسيحية” Hristiyan Cemaati، مثلما يُقال “Musevi Cemaati” (الطائفة الموسوية/ اليهودية)، ويُستخدم مصطلح “Cemaat” (طائفة/ جماعة) في القانون التركي لوصف المكونات الدينية والاثنية المعترف بها. كما يوصف الأرمن ب “الجماعة الأرمنية” Ermeni Cemaati، و”جماعة الروم الأرثذوكس” Rum Ortodoks Cemaati في وصف مكون “الروم الأرثوذكس”.
وهكذا، فإنّ على المهتم بحقوق المكونات الصغرى أن يتجنب بحذر شديد اعتماد التوصيفات الرسمية المغرضة المرتبطة بتلك المكونات.
من جانب آخر، فإنّ وصف المكونات الصغرى ينبغي أن يقع على جميع المكونات دون أن يتبع نهجاً انتقائياً يجامل سياسات دول الشرق الأوسط، فبسبب الحروب العربية الإسرائيلية، يجري تجاهل حقوق المكون اليهودي في العالم العربي ودول الشرق الأوسط والعالم الاسلامي، وتتجنب أغلب التنظيمات الحقوقية الإشارة اليه “بسبب حساسية الموضوع ” على حد وصف الناشطين الحقوقيين غالباً!
وبنفس القدر، يتم السكوت عن حقوق “مجتمع الميم”، بحجة أن الإسلام يحرّم بشدة المثلية، في حين أنه لا يوجد نص قرآني صريح يحرّم ويجرّم المثلية، وبمراجعة سريعة نقرأ:
*سورة الأعراف (الآيتان 80 – 81) هي الأكثر وضوحاً وتفصيلاً في تحديد طبيعة الفعل وتحريمه: “وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81)”.
* سورة النمل (الآية 55)”أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ”. تؤكد تكرار الإنكار على ذات الفعل الجنسي ووصفه بالجهل الأخلاقي والديني.
وبينما تشير الآيات مارة الذكر صراحة إلى التحريم الأخلاقي والديني للفعل، وتذكّر بالعقاب الإلهي الذي حلّ بقوم لوط (كالرجم بالحجارة وقلب ديارهم)، فإنّ القرآن لم يحدد عقوبة حدّية دنيوية واضحة ومفصلة يُنفذها الحاكم/ القاضي ضد مرتكبي هذا الفعل، على عكس “جريمة الزنا” التي وردت عقوبتها بالتفصيل (الجلد) في سورة النور مثلاً، والفقهاء مجمعون على أنّ اللواط والمساحقة ليسا زنا، ولا يقعان تحت طائلة التجريم التي تحيق بمرتكبي “كبائر الزنا”.
منظمات حقوق الإنسان، والمجتمع المدني، والتشكيلات الحقوقية المرتبطة بها، يجب أن تتبنى بوضوح صريح قضايا مجتمع الميم، وهنا أود الإشارة إلى أنّ ما يجري الحديث عنه بوصف “مجتمع الميم” هم الأشخاص الذكور ذوي الميول المثلية حصراً، فيما لا يشير أحد إلى النساء ذوات الميول المثلية، لأنّ النصوص الدينية والقانونية المتوارثة لا تهتم بعلاقات المثلية النسوية طالما أن ليس فيها اختراق جنسي “ينتهك” حقوق الذكور المتفق عليها بين الديانات الثلاث.
ثمة مكوّن آخر لا يتحدث عنه الحقوقيون ولا توجد نصوص معروفة عنه، وهو مكوّن الأرامل في العالم العربي والإسلامي، فالأرامل وصف يقع على النساء اللاتي فقدن رجالهن، ولا يتحدث أحد عن الحقوق الجنسية لهذا المكون، أليس للأرملة حق المعاشرة الجنسية؟ وأنا أتحدث عن حق معلن مدعوم بالنص القانوني، وليس عن علاقات سرية مسروقة تجري في دهاليز الكتمان الاجتماعي والتحريم الديني والأخلاقي.
ولعل مجلة “جسد” الثقافية الفصلية، التي أسستها وترأست تحريرها الكاتبة والناشطة الحقوقية الفذة جمانة حداد، كانت المنصة الأبرز التي فككت هذه القضايا بشكل مباشر، لكنها للأسف توقفت عن الصدور عام 2011. فقد خصصت المجلة في أعدادها ملفات ومقالات شهادات حية وتحقيقات حول “الجنسانية العربية” خارج إطار الزواج التقليدي. وركزت جمانة حداد والكُتّاب المشاركون في المجلة على انتقاد النظرة النمطية للمجتمع العربي التي تلغي الاحتياجات والرغبات الجنسية والعاطفية للمرأة بمجرد وفاة زوجها (أو طلاقها)، حيث يُتوقع منها التضحية المطلقة وارتداء “ثوب الحداد الأبدي” اجتماعياً وجنسياً، ويُنظر إلى أي تعبير عن رغبتها كخروج عن الأخلاق أو “خيانة” لذكرى الزوج الراحل.
*وفي كتاب “هكذا قتلتُ شهرزاد: اعترافات امرأة عربية غاضبة” الصادر عام 2010، تشن جمانة حداد هجوماً على النفاق الاجتماعي والمنظومة الذكورية. وقد انتقدت مصادرة المجتمع لحق الأرملة في إعادة بناء حياتها الجنسية والعاطفية بحرية ومن دون إدانة، مقارنة بالرجل الأرمل الذي يُشجعه المجتمع على الزواج الفوري بعد وفاة زوجته.
* وفي كتابها “سوبرمان عربي: تجاوز الأوهام البطريركية” الصادر عام 2012، واصلت حداد تفكيك “الانفصام” في تعامل الرجل والمجتمع العربي مع جسد المرأة ورغباتها. مركزة على أنّ المنظومة الثقافية السائدة ترى جسد المرأة كـ “مِلكية” تنتهي صلاحيتها الحرة خارج إطار الزوجية، وبالتالي تُحرم الأرامل والمطلقات من حقوقهن الطبيعية في التعبير عن أجسادهن، ويُجبرن على قمع طاقتهن الجنسية تحت وطأة الرقابة العائلية والاجتماعية خوفاً من “الوصمة”.
ونختم بالعودة لعنوان هذا المقال، فالمكونات الصغرى وصف يقع على كل من غُيبت حقوقهم في ظل سيادة قيم المكونات الكبرى السائدة، وبهذا يجب أن يصارح الناشطون أنفسهم أولاً ليتصدوا بعدها بإنصاف لحقوق المكونات الصغرى المغيبة والمظلومة.
*نشر الموضوع في مجلة الإنسانية لحقوق الانسان ويعاد نشره هنا بالتنسيق مع الأطراف ذات العلاقة






















0 تعليق