تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

الجنة في ظلال المدافع!

سبتمبر 4, 2026 | 0 تعليقات

كتب ملهم الملائكة:

قبل خمسين عاماً غنى سعدون جابر بصوته الرخيم الحنين القريب للقلب:

“جنّه جنّه جنّه

جنّه يا وطنّه

يا وطن يا حبيب

يا بو تراب الطيب

حتى نارك جنّه”

لكننا رأينا العراقيين على مدى أربعة عقود يهربون تباعاً من تلك الجنة التي تبلغ درجة حرارتها صيفا 52 درجة مئوية، ومن الصعب أن يتخيل المرء فردوساً في مثل هذه الحرارة، بل هو أقرب للجحيم، ربما حافة الجحيم، وعلى تلك الحافة طالما اصطف جند وشرطة سلطات العراق وهم يدفعون بالدبابات والحراب والبنادق بالعراقيين إلى هاوية الجحيم ليدافعوا قسراً عن أرض الرافدين! وهذه النوستالجيا المتناقضة تحيلنا إلى موضوع الهجرة.

الهجرة حق مكفول لكل انسان، سواء رضيت الأنظمة والقوانين والدول والدساتير والسلطات والقبائل والأديان والأعراف أم لم ترض، ويبقى هذا الحق قائماً كيفما رُسمت الحدود ومهما اختلطت الولاءات. يهاجر الانسان أولاً بحثاً عن نفسه، بحثاً عن موضع آمن لنفسه وأهل بيته، وبحثاً عن حياة أفضل، عن مستقبل أفضل، عن أمل يراه أفضل، (وغيره قد يراه أسوأ)، ويهاجر العربي والمسلم غالباً بحثاً عن فرصة عمل، وهذا مشروع وقانوني وتقف معه كل الأعراف والسنن، فحيثما وجد الرزق والأمن والسلام، استقر الانسان ليبني حياته.

لكنّ الهجرة تصبح إشكالية حين تكون جماعية مفاجئة باتجاه مقصد واحد لا غير، وهذا شأن الهجرة الجماعية المغاربية الألفية باتجاه سبته ومليله خلال آخر يومين من شهر تموز/ يوليو 2026  والتي اوقدت شرارة في جمرات كان يسترها الرماد، فشبت نيران الدفاع الأوروبي، وتنادى الاوربيون لحماية أوطانهم من غزو إفريقي مفاجئ، غزوٌ يحلم أغلب أفراده اليافعين بأن يحصلوا على سيارة مرسيدس في ظرف أسبوع، وبيت ملكاً لهم في ظرف سنة، ووظيفة (باللغة العربية) مريحة ودخلها وفير ومضمون مدى الحياة، وهم لم يتموا دراستهم الإعدادية ولا يتقنون غالباً أيّ مهنة وأي لغة سوى العامية المغربية!

وتحت ضغط تهديدات القادة الاوربيين، أرسلت سلطات اسبانيا قطعات عسكرية وبوليسية إلى الركن الافريقي الأخير “سبته ومليله”، وادعت قنواتها الإعلامية والصحفية أنّ أغلب المهاجرين الستين ألف قد أعيدوا إلى المغرب، واظهرت فيديوهات شخصية (حرصت قناتا الجزيرة والعربي على بثها وترويجها)، بضع مئات من المهاجرين وهم يعودون إلى بلدهم المغرب خائبين عبر أحدى بوابات الحدود صوب منطقية فنيدق، ثم كشفت فيديوهات شخصية أخرى انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي عما جرى في الساعات الأربع والعشرين، حيث تدفق ألوف على شوارع مدينة سبته الصغيرة (ويبلغ عدد سكانها 85 ألف نسمة)، وحاولوا أن يجدوا لأنفسهم ملاذاً يأويهم باحثين عن قوتهم زاد يومهم وعن ماء للشرب، فقاطعهم السكان، وأغلقوا محلاتهم وفنادقهم وبيوتهم، ورفضوا أن يبيعوهم أي شيء، فلا حياة للغزاة، ولا أحد يريد هؤلاء المتجاوزين، وبات الوضع ينذر بانفجار خطير، ولا ندري كيف رضي ألوف السابحين المخاطرين بعبور المياه أن يعودوا طواعية إلى بلدهم الذي هجروه كما تزعم أخبار إسبانيا الرسمية التي لم يدعمها أيُّ مصدر خبري مستقل؟!

ثم تسربت تقارير خبرية تفيد بأن عدد من عادوا إلى المغرب هم 48 ألفاً، وهكذا نفهم ببساطة أنّ 12 ألف مهاجر “غازٍ” قد تسلل إلى البر الأوروبي، وهو عين ما يرعب أوروبا سلطات وشعوب. ومن خبرتي خلال أكثر من عقدين قضيتها في أوروبا، فإن أغلب (وليس كل) المهاجرين القادمين من بلدان شمال إفريقيا يتجهون للجريمة المنظمة لأنهم لا يتقنون أيّ عمل، وليسوا مؤهلين بأي شهادة، ولا يرضون بالأعمال المعتادة الوفيرة ذات الأجر الزهيد، بل يبحثون بنهم عن السيارات المطهمة والفيلات الفاخرة والفنادق ذات النجوم الخمس والمال المبذول، ولا سبيل لذا إلا عبر أروقة الجريمة: مخدرات، دعارة، تهريب بشر، تجارة أعضاء بشرية، تهريب سيارات، تهريب سلاح، إدارة كازينوهات القمار والمراهنات، وغيرها. إن لم يكن هذا غزواً إجرامياً، فماذا نسميه إذاً؟

وضمن هذا الغزو، يتسلل تونسيون (يرومون غالباً) الوصول إلى فروع داعش في أوروبا، باحثين عن تخريب البلدان وقتل الانسان وتدمير الأوطان تحت شعارات الدين والديّان.

كثير من (وليس كل) الموريتانيين العابرين مع هذه الجموع تراهم يتخصصون في أنواع تجارة الرقيق، ولا أدري كيف يقبل الناس أن يتاجروا بالرقيق في عصر الحريات هذا؟ وكيف يعبرون إلى أوروبا طمعاً في تهريب الرقيق الأبيض (نساء من أوروبا الشرقية) إلى بلدهم وبلدان أخرى؟ في ظل هذه المخاوف قالت إيطاليا، ليلة الجمعة 31 تموز/ يوليو 2026، إنها “قررت تعليق العمل بترتيبات شنغن الخاصة بحرية التنقل مع إسبانيا، رداً على التدفق الكبير للمهاجرين ⁠إلى مدينة سبتة الخاضعة للحكم الإسباني”.

لمن يستفزهم حديثي أقول تخيل أنّ 12 ألف غريب دخلوا مدينتك/ قريتك/ بيتك في ليلة واحدة وصاروا يهددون حياتك وأمنك ورزقك واستقرارك، فما تراك فاعل؟ المشكلة في هذا الوضع هو الكتلة البشرية الكبيرة الهائلة التي تدفقت على بؤرة واحدة خلال وقت قصير، ولا توصيف لها إلا أنها “غزو”.

هذه الألوف لم تهرب من حرب، كما يجري في ربوع السودان اليوم، وكما هرب الأيزيدية من القتلة الدواعش في عام 2014، وكما هرب المسيحيون من الاستهداف الإسلامي الولائي الشيعي والاخواني السني في العراق في السنوات العشر الأولى من الألفية الثالثة، وكما هاجر الصابئة المندائيون من “دكات” الذبح الإسلامي المروعة المعروفة “صابي كوشان” في إيران خلال القرن الخامس عشر ميلادي والقرون التي تلت، وكما هُجّر الأرمن في مسيرات جبرية متعاقبة (على مدى زاد عن خمسين سنة) سيراً على الاقدام عراة أطفالاً ونساء ورجال عبر الجبال والصحارى حتى مات منهم نحو مليون، هرباً من حراب وسيوف وسياط جند السلاطين العثمانيين حماة الاسلام. هؤلاء المهاجرون لم يهربوا من هجمات الأسلحة الكيماوية وغزوات السلب والنهب والقتل المعروفة ب “الأنفال” التي حلت بكرد العراق على مدى عقود.

هؤلاء الذين تدفقوا بالألوف على أوروبا يبحثون ببساطة عن فرص أفضل للحياة، لكنهم يتدفقون كالغزاة على ربوع إسبانيا، وهنا يكمن الخطر. إنهم هاربون من جنّة “أمير المؤمنين” و”حامي حمى الملة والدين”، ملك المغرب محمد السادس بن الحسن العلوي، هاربون من نعيم الإسلام إلى جحيم الكفر المسيحي ليحفظوا دينهم ويحجبوا نساءهم ويالها من مفارقة مخزية!

ألمانيا – آب/ أغسطس 2026

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

التعليم حقٌ يبني الوطن

التعليم حقٌ يبني الوطن

كتب محمد الربيعي: لا دولة تقدّمت، ولا دولة نهضت، ولا دولة أصبحت عالمية بتعليم أهلي أو خاص. كل دولة صنعت مجدها اعتمدت على التعليم الشامل والمجاني كحق لكل مواطنيها. فنلندا، التي تتصدر العالم في جودة التعليم، جعلت التعليم المجاني من مرحلة ما قبل المدرسة حتى الجامعة حقاً...

قراءة المزيد
من تاريخ معركة حصار الكوت

من تاريخ معركة حصار الكوت

بقلم محمد حسين صبيح كبة  حصار الكوت (كوت العمارة) هو معركة كبرى وقعت في العراق ضمن حملة الرافدين خلال الحرب العالمية الأولى. استمر الحصار الخانق الذي فرضه الجيش العثماني على القوات البريطانية 147 يوماً (من 7 ديسمبر/ كانون الأول 1915 إلى 29 أبريل/ نيسان 1916)، وانتهى...

قراءة المزيد
سايكولوجية الجماهير عند لوبون

سايكولوجية الجماهير عند لوبون

كتب محمد الربيعي: لا أذكر كم مرة أعدت قراءة «سيكولوجية الجماهير» لغوستاف لوبون. إنه من الكتب التي لا أنهيها مرة واحدة، بل أتركها على طرف الطاولة، وأعود إليها بين الحين والآخر، أفتح صفحة عشوائية، أقتبس منها حكمة، ثم أكتشف أن الزمن لم يغير شيئا في البشر، لكنه غير...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *