تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

التعليم الحكومي – هروب من الأرقام بعباءة التمنيات

مايو 17, 2026 | 0 تعليقات

كتب د. محمد الربيعي:

يجد المتفحص للمنهاج الحكومي الجديد فيما يخص قطاع التربية والتعليم نفسه أمام وثيقة غارقة في فخ الاستعراض اللغوي، حيث يطغى الطابع الانشائي على الرؤية الاستراتيجية المفترضة. بل يبدو البرنامج في جوهره مجرد مجموعة من التمنيات العاطفية المصاغة بلغة فضفاضة، تفتقر إلى أدنى معايير الحوكمة والقياس الكمي، دون أن يقدم في المقابل أي التزام حقيقي يمكن محاسبة الحكومة عليه في المستقبل. إننا نقف إزاء محأولة لتشييد قلاع في الرمال، سرعان ما تذروها رياح الواقع لافتقارها إلى أسس رقمية صلبة أو سياج زمني يحميها، مما يجعلها أقرب إلى بريق الوعود الانتخابية منه إلى برنامج عمل تنفيذي لدولة تسعى بجدية لانتشال واقعها التعليمي المأزوم.

تكتفي الحكومة في صياغتها للحلول بعبارات مطاطية مثل “رفع مستوى التعليم” و”إطلاق المبادرات” و”دعم المؤسسات”، وهي مفردات تستخدم عادة للهروب من المساءلة المستقبلية. فغياب لغة الأرقام والمؤشرات الاحصائية يحول البرنامج إلى اعلان نوايا يفتقر للمصداقية، اذ لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه. فبدون تحديد دقيق لنسب العجز في الأبنية المدرسية، أو مستويات الأمية الحالية، أو نسب التسرب الدراسي، تظل هذه الوعود بلا “خط شروع” ولا يمكن لأي جهة رقابية أن تقيم حجم الانجاز الفعلي بعد انقضاء المدد المحددة، مما يمنح السلطة التنفيذية مرونة مفرطة في عدم الانجاز دون أن توصم بالتقصير.

إلا أن الأخطر في هذا المنهاج هو الغياب التام لأي اشارة حقيقية تتعلق بجودة التعليم بحد ذاتها، وكأنّ التعليم أصبح تفصيلاً ثانوياً في مؤسسة تحولت تدريجياً إلى دائرة أمنية بامتياز، تمارس الابتزاز والتخويف بحق الأساتذة والموظفين والطلبة على حد سواء. لم يتطرق المنهاج إلى خطوات عملية لرفع مستوى العملية التعليمية، أو إلى كيفية ربط التخصصات الدراسية بحاجة سوق العمل المتغيرة، بل تجاهل تماماًَ محاربة الفساد المستشري في مفاصل التعليم وخاصة في البحث العلمي الذي يفتقر إلى ميزانيات تدعمه أو برامج اصلاحية تحميه من التردي. كما أهمل البرنامج تحسين أوضاع الهيئات التدريسية أو توفير نظام تامين صحي يضمن كرامة الاستاذ الذي بات يعاني من اهانات مستمرة وتدخلات سافرة من الوزارة في كل صغيرة وكبيرة.

أما الواقع الذي تجاهله المنهاج عمداً، فهو أكثر فجاجة من أن يُخفى، حيث سادت التعيينات الولائية التي جعلت من مناصب العمداء ورؤساء الجامعات مكافآت سياسية لا استحقاقات علمية، ما أفرغ المناصب الأكاديمية من هيبتها وقدرتها على التطوير. يرافق ذلك فرض أتاوات مالية على الطلبة، حيث يتم ابتزازهم بمبالغ تسخّر لخدمة جهات لا علاقة لها بالعملية التربوية، في ظل تحول الوزارة إلى جهاز رقابي بوليسي يراقب ويعاقب بدل أن يطور ويحفز. أن هذا الانحراف في وظيفة المؤسسة التعليمية يحولها من منارة للعلم إلى اداة قمع منهجي تكرس الفساد الإداري والمالي.

وفي ظل غياب السقف الزمني الواضح، تبدو الاهداف المطروحة مجرد شعارات ترحيل للازمات من دورة انتخابية إلى اخرى. فالمواطن اليوم لا يحتاج لسماع أنّ الحكومة “تنوي” حل الأزمات، بل يحتاج لجدول زمني ملزم يحدد متى تنتهي هذه المعاناة وبأيّ كلفة. إن الاكتفاء بالعناوين العريضة دون تقسيمها إلى مراحل تنفيذية يجعل من البرنامج مجرد وثيقة أدبية، ويؤكد الشكوك بأنّ الاهتمام ينصب على المظهر الخارجي والضجيج الإعلامي أكثر من الاصلاح البنيوي الجذري الذي يتطلبه القطاع المتهالك الذي يعاني من غياب الفلسفة التعليمية الحقيقية وويعاني من إهمال جوهر العملية التربوية المتمثل في المناهج وجودة المخرجات.

ختاما، إنّ الاصلاح التعليمي الحقيقي لا يبدأ من الكلمات المنمقة، بل من الأرقام الصريحة والالتزامات الموقوتة وحماية الاستاذ والبحث العلمي من التسييس والفساد. وبدون اعادة صياغة جذرية لهذا البرنامج تربط كل هدف بميزانية شفافة وخارطة طريق زمنية ملزمة، سيبقى التعليم يراوح مكانه، وسنظل نبني قلاعاً في الرمال بينما ينهار سقف المنظومة القيمي والعلمي فوق رؤوس الجميع.

إنّ المسؤولية الوطنية تقتضي الانتقال الفوري من لغة التمنيات العاطفية إلى لغة الحوكمة الرشيدة، لضمان ألا يتحول مستقبل الاجيال إلى ضحية أخرى من ضحايا الهروب من المساءلة السياسية والقبضة الأمنية.

تابعني

روابط مهمة

مؤلفاتي

مقالات ذات صلة

حول المصانع والجدوى والموارد

حول المصانع والجدوى والموارد

كتب محمد حسين صبيح كبة بذلت حكومات العراق المتعاقبة جهوداً ملحوظة لتأسيس صناعة مستدامة نافعة للبلد، وهكذا اطلقت مشاريع البناء الجاهز والجدران الاسمنتية والسقوف الجاهزة والثرموستون لدعم البنية التحتية، لكن السؤال هو: هل كان العراق وقتذاك بحاجة ماسة وبسرعة للجدران...

قراءة المزيد
زعيمات شبه القارة

زعيمات شبه القارة

كتب ملهم الملائكة: قوة ونفوذ النساء هي من أغرب ملامح السياسة في شبه القارة الهندية (الهند، باكستان، بنغلاديش، سريلانكا) المكتظة بالسكان على مدى العصور. عنصر الغرابة الأوضح هنا أنّ تلك البلدان شهدت وتشهد اليوم حضوراً نسائياً قوياً منذ مراحل تاريخية مبكرة في أعلى...

قراءة المزيد
الصين – مدرسة الابتكار

الصين – مدرسة الابتكار

كتب د. محمد الربيعي: اثارت انتباهي مؤخرا مقالة لافتة نشرت في مجلة «نيتشر» (Nature) العريقة (20 ايار/مايو 2026)، تحمل عنوانا مباشرا وعميقا في ان واحد: "الابتكار يبدا من المدارس — دروس من الصين". وما زاد هذا المقال اهمية وجاذبية، واكسبه وزنا استثنائيا، هو انه كتب بأقلام...

قراءة المزيد

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *